15 ن م: القوانين الدستورية قوانينُ مكملةٌ للدستور – تلاوة تقرير التلخيص - السبب المجهل
Home Icon 2025-11-10
Home Icon د. عياد دربال

القوانين الدستورية قوانينُ مكملةٌ للدستور - النقابات المهنية ليست جسماً دستورياً – تلاوة تقرير التلخيص - النعي المجهل


القاعدة

القوانين الدستورية في الفقه والقضاء الدستوريين قوانينُ مكملةٌ للدستور بالنظر إلى ما تحتضنه من موضوعات مرتبطة بقواعدَ كليةٍ هي بطبيعتها دستورية. فإذا تعلَّق القانون بشكل الدولة أو الحكومة، أو بالمبادئ العامة التي تضع نظامَ السلطتين التشريعية والتنفيذية والعلاقة بينهما، وتحدِّد اختصاصاتِهما وكيفيةَ ممارستها، أو كان مما شُرِّع لأجل وضع تلك القواعد موضعَ العمل الفعلي، كان قانوناً دستورياً.

النقاباتُ المهنية إنما هي أشخاصٌ اعتباريةٌ مؤلَّفةٌ من ذوي مهنةٍ أو مهنٍ متقاربة تتمحور أهدافُها حول تنظيم شؤون المهنة وحماية مصالح أعضائها والدفاع عن حقوقهم المهنية، والرفع من كفاءتهم الفنية وتحسين أدائهم المهني ومستواهم الصحي والاجتماعي. وهذه ولا ريب شؤونٌ لا تدخل في عِداد الموضوعات الدستورية، ما يحتفظ معها القانونُ الذي ينظمها بصفة التشريع العادي، فلا يكون من ثم محلاً لإلغاء القوانين الدستورية المقرر بالمادة 34 من الإعلان الدستوري.

يجب أن تشتمل صحيفة الطعن بالنقض على بيان الأسباب التي بُني عليها وإلا كان باطلاً. والمقصودُ ببيان الأسباب تحديدُ كلِّ مأخذٍ على الحكم المطعون فيه تحديداً واضحاً دقيقاً ينفي عنه الغموضَ والجهالة، حتى يبين منه العيبُ الذي يعزوه الطاعن إلى الحكم المطعون فيه بما يتيح للمحكمة العليا فهمَه وبحثَ مدى سداده، وليتمكَّنَ المطعونُ ضده من تحضير دفاعه بشأنه ونيابة النقض من أن تبدي رأيها. فإذا لم يكن كذلك، قَصُر عن أن يؤديَ غرضَ القانون، وكان النعي به غير مقبول. ولا يرفع الجهالةَ عن سبب الطعن إحالةُ الطاعن في بيانه على أيِّ ورقة أخرى ولو ضمَّنها مستنداتِ طعنه، إذ ليس من مهمة المحكمة العليا أن تتحرى بنفسها عيوبَ الحكم المطعون فيه، ولا أن تتقصَّاها من تلقائها في ما طُرح أمامها من أوراق.


ملخص القضية

أقام الطاعنُ الدعوى ... أمام محكمة ... الابتدائية، مختصماً المطعون ضده وآخر، شارحاً لها بما حاصله أنه شغل منصبَ أمينِ نقابة معلمي الجبل الأخضر منذ عام 1997 حتى قيام الثورة في 2011. وبعد أن ألغى المجلس الوطني الانتقالي كتابَه القاضي بتجميد عمل النقابات، استأنفت نقابةُ المعلمين عملها، فعقدت اجتماعاً بتاريخ 12-6-2012 بحضور 21 نقابةً فرعية من مختلف أنحاء البلاد تَقرَّر فيه استئنافُ العمل إلى حين صدور الدستور، واتُّفق على تشكيل لجنة تسييرية عليا للنقابة مكوَّنةٍ من النقيب العام وأعضاءَ آخرين. في عام 2017، كَلَّف النقيبُ العام الطاعنَ بأعمال منسِّق اللجنة التسييرية العليا لنقابات المعلمين، إلا أن المطعون ضده كوَّن في 8-2-2017 جسماً موازياً للنقابة العامة للمعلمين في اجتماعٍ مخالفٍ للقانون انعقد بمدينة ... وحضره ما لا يزيد عن 12 نقابةً فرعيةً مستحدثة، نُصّب فيه نقيباً عاماً للمعلمين.

انتهى الطاعن في صحيفته إلى طلب الحكم ببطلان إجراءات الانتخابات التي تمَّت في ذلك الاجتماع، وبعدم شرعية النقابة المنبثقة، الموازية للنقابة العامة للمعلمين، وبعدم صفة المدعى عليه الأول (المطعون ضده) في تمثيل النقابة العامة للمعلمين.

قضت المحكمة بعدم قبول الدعوى ضد المدعى عليه الثاني، وببطلان محضر الاجتماع وما أسفر عنه من اختيار النقابة العامة للمعلمين، وما نتج عن ذلك من آثار قانونية، فاستأنف المطعون ضده الحكم أمام محكمة استئناف ...، فقضت بإلغاء الحكم وبرفض الدعوى. وهذا هو الحكم المطعون فيه.

المسألة والرأي

وحيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه بطلانه ومخالفةَ القانون والقصورَ في التسبيب من الوجوه التالية:

أولاً: لم يكن المستشار المقرِّر أحدَ أعضاء الهيئة التي سمعت المرافعة وأصدرت الحكم، وهو ما يخالف نص المادة 317 من قانون المرافعات.

ثانياً: أسّس الحكم المطعون فيه قضاءه برفض الدعوى على قانون ملغى بموجب المادة 34 من الإعلان الدستوري الصادر في 3-8-2011 التي تقضي بإلغاء الوثائق والقوانين ذات الطبيعة الدستورية المعمول بها قبل العمل بالإعلان. فالنقابات والاتحادات والروابط المهنية كانت مرتبطة بنظام الحكم السابق، لدخولها في تشكيل مؤتمر الشعب العام، لكنها لم تعد بهذه المكانة في ظل مجلس النواب، لذا فإن القانون الذي يحكمها، وهو القانون 23 لسنة 1997 بشأن النقابات والاتحادات والروابط المهنية، قانون ذو طبيعة دستورية، ومن ثم فهو مشمول بالإلغاء، فلا يصح العمل به.

ثالثاً، مما استندت المحكمة المطعون في حكمها دليلٌ لا أصل له في الأوراق، وأعرضت عن دفاع مطروح أمامها في مذكرة الدفاع المرفقة صورتُها بملف الطعن.

وحيث إنه عن النعي الأول، فمردود؛ ذلك لأن مفاد نص المادة 325 من قانون المرافعات، وعلى ما استقر عليه قضاءُ هذه المحكمة، أنه إذا تغيّر بعد تلاوة تقرير التلخيص بعضُ أعضاء المحكمة، فإنه يكفي لسلامة الحكم من هذه الناحية إعادةُ تلاوته من جديد؛ إذ بهذا يعلم مَن فاتته التلاوةُ السابقة بما لم يُحَط به علماً من قبل، وتتحقق الحكمةُ التي تغيَّاها المشرِّع من وجوب تلاوة التقرير، وهي الاستيثاقُ من وقوف المحكمة بكامل هيئتها على فحوى الخصومة، واطلاعُ أعضائها والخصوم على ما اتُّخذ فيها من إجراءات وما أُبدي فيها من طلبات ودفوع وأوجه دفاع. وحيث إن الثابت في مدونات الحكم المطعون فيه أنه صدر عن هيئته بعد تلاوة تقرير التلخيص، فإن هذا بمجرده كافٍ للدلالة على تحقُّق التلاوة من هذه الهيئة، فلا يكون ثمةَ طريقٌ لنفي ذلك غيرُ الطعن بالتزوير، وهو ما لم يسلكه الطاعن، ومن ثم يتعين ردُّ نعيه.

وحيث إنه عن النعي الثاني، ففي غير محله لما هو مقررٌ من مدلول القوانين الدستورية في الفقه والقضاء الدستوريين. فهي في حقيقتها قوانينُ مكملةٌ للدستور بالنظر إلى ما تحتضنه من موضوعات مرتبطة بقواعدَ كليةٍ هي بطبيعتها دستورية. فإذا تعلَّق القانون بشكل الدولة أو الحكومة، أو بالمبادئ العامة التي تضع نظامَ السلطتين التشريعية والتنفيذية والعلاقة بينهما، وتحدِّد اختصاصاتِهما وكيفيةَ ممارستها، أو كان مما شُرِّع لأجل وضع تلك القواعد موضعَ العمل الفعلي، كان قانوناً دستورياً لا مجرد تشريع عادي.

وحيث إنه ولئن كانت البلادُ في ظل النظام السياسي المنقضي تفتقد إلى دستور بالمعنى الشكلي مما يمكن الاستهداءُ به مباشرةً في تمييز القواعد والمؤسسات الدستورية آنذاك، إلا أنها لم تَعدم وثائقَ هي من الناحية الموضوعية دستورية بحسبانها ما شكَّل عمادَ البناء السياسي للدولة، وذلك بما أرسته من قواعدَ وأصولٍ يقوم عليها نظام الحكم في ذلك النظام. وعليه، فإن كلَّ التشريعات التي بُنيت على ما تضمنته هذه الوثائقُ من أسس دستورية، وتلك التي جاءت إعمالاً لها، هي قوانينُ ذاتُ طبيعة دستورية مادامت مرتبطةً بخصوصية ذلك النظام ارتباطاً لا ينفك عنه. ولذا فإن قوانين اللجان الشعبية (أداة التنفيذ) والمؤتمرات الشعبية (أداة التشريع) التي مثَّلت التطبيقَ العملي للنظام الحاكم، وركيزةَ بنائه السياسي والإداري وهيكلَه، هي وما جرى مجراها جميعاً قوانينُ ذات طبيعة دستورية.

وحيث إنه بتحرِّي مدى استجابة القانون 23 لسنة 1997 بشأن النقابات والاتحادات والروابط المهنية، المنسوب إلى القوانين الدستورية، للمعيار المتقدم الذي تتحدَّد بدلالته تلك القوانين، يبين انحسارُ هذه الدلالة عنه كليةً؛ ذلك لأن موضوعه هو النقاباتُ المهنية، وهذه، في الاصطلاح وفي مفهوم هذا القانون أيضاً (المواد: 1 و 3 و6)، إنما هي أشخاصٌ اعتباريةٌ مؤلَّفةٌ من ذوي مهنةٍ أو مهنٍ متقاربة تتمحور أهدافُها حول تنظيم شؤون المهنة وحماية مصالح أعضائها والدفاع عن حقوقهم المهنية، والرفع من كفاءتهم الفنية وتحسين أدائهم المهني ومستواهم الصحي والاجتماعي. وهذه ولا ريب شؤونٌ لا تدخل في عِداد الموضوعات الدستورية بمفهومها سالف البيان، ما يحتفظ معها القانونُ الذي ينظمها بصفة التشريع العادي، فلا يكون من ثم محلاً للإلغاء المقرر بالمادة 34 من الإعلان الدستوري.

ولا يصحُّ حجةً ضد ذلك القولُ إن مؤتمرَ الشعب العام جسمٌ دستوري، وهذه النقاباتُ من مكوناته، وإذن فهي الأخرى مؤسساتٌ دستورية، والقانونُ الذي ينظمها هو بحكم اللزوم قانونٌ دستوري. فهذا استدلالٌ فاسدٌ لابتنائه على مغالطاتٍ منطقية ترفضها المبادئُ الأوليةُ للعملية الاستدلالية. فمن ناحية، فإن الجزءَ هو غيرُ الكلِّ المركَّبِ منه، ولذا فإن مجرد التئامه مع غيره في كلٍّ لا يغيِّر من طبيعته الخاصة ولا يُكسبُه في ذاته سماتِ هذا الكلِّ وخصائصَه. ومن ناحية خرى، فإن صيرورةَ هيئةٍ ما جزءاً من مؤسسة دستورية بموجب قانون معين لا يصيب بمجرده جوهرَ القانون المنظم لشؤون تلك الهيئة ابتداءً، ليظل المرجع في تكييف طبيعة هذا القانون هو محتواه فحسب.

لما كان ذلك، فإنه وإن كانت النقابات في ظل النظام السياسي السابق عضواً في مؤتمر الشعب العام (السلطة التشريعية)، وكان القانون الذي يحدِّد تشكيلَ السلطة التشريعية ونظامَ عملها قانوناً دستورياً من الناحية الموضوعية، إلا أن إدخاله تلك النقاباتِ ضمن عناصر تكوين هذه السلطة لا يحيلها في ذاتها مؤسساتٍ دستوريةً مثلها، بل تظل، مع العضوية، محتفظةً بطبيعتها وأساس نشأتها، حالُها في ذلك حال هيئات حكومية جرى العرفُ الدستوري في البلاد يومئذٍ على عضويتها في المؤتمر، مثل جهاز الرقابة الإدارية، دون أن تكتسبَ لا هي ولا القوانينُ المنظِّمة لها سمةَ الدستورية.

وحيث إن قانون النقابات حدَّد طبيعتها وأهدافَها في ما تقدم بيانُه من أنها أشخاصٌ اعتبارية أُوجدت أصالةً لرعاية مصالح أصحاب المهنة. وحيث إن هذا شأنٌ، ولا مراء، منبتُّ الصلة بالموضوعات الدستورية، فلا يصح معه وسمُه بالدستوري. وهكذا، فإن النعي على الحكم المطعون فيه تطبيقَه له بمقولة إنه طبَّق قانوناً ملغىً دستورياً يكون في غير محله، مستوجبَ الرد.

وحيث إنه عن النعي الثالث، فغير مقبول؛ ذلك لأن المادة 342 من قانون المرافعات توجب اشتمالَ صحيفة الطعن بالنقض على بيان الأسباب التي بُني عليها وإلا كان باطلاً. والمقصودُ ببيان الأسباب تحديدُ كلِّ مأخذٍ على الحكم المطعون فيه تحديداً واضحاً دقيقاً ينفي عنه الغموضَ والجهالة، حتى يبين منه العيبُ الذي يعزوه الطاعن إلى الحكم المطعون فيه بما يتيح للمحكمة العليا فهمَه وبحثَ مدى سداده، وليتمكَّنَ المطعونُ ضده من تحضير دفاعه بشأنه ونيابة النقض من أن تبدي رأيها. فإذا لم يكن كذلك، قَصُر عن أن يؤديَ غرضَ القانون، وكان النعي به غير مقبول. ولا يرفع الجهالةَ عن سبب الطعن إحالةُ الطاعن في بيانه على أيِّ ورقة أخرى ولو ضمَّنها مستنداتِ طعنه، إذ ليس من مهمة المحكمة العليا أن تتحرى بنفسها عيوبَ الحكم المطعون فيه، ولا أن تتقصَّاها من تلقائها في ما طُرح أمامها من أوراق.

وحيث إنه متى كان ذلك، وكان الطاعن يعيب بنعيه هذا على المحكمة المطعون في حكمها القصورَ في التسبيب والإخلالَ بحق الدفاع، مكتفياً في البيان بما قال به من استنادها "لدليل لا أصل له في الأوراق"، دون أن يحدِّدَ فحوى الدليل الذي يعنيه، ومن أنها "لم تتناول دفاع الطاعن المطروح أمامها بحسب الثابت من مذكرة دفاعه المرفق صورة منها طي حافظته" دون أن يكشفَ عن وجه الدفاع المقصود، لذا فإن نعيه بهذا السبب يكون مجهَّلاً بما يستوجب الالتفات عنه.

النتيجة

الحكم برفض الطعن، وبإلزام الطاعن المصاريف.